السرخسي
16
أصول السرخسي
به شرعا ما لم يتبين وجه الخطأ فيه ، فإثبات الخيار بينهما في حكم العمل إذا رجح أحدهما بنوع فراسة يكون إثبات الحكم بدليل شرعي ، ثم إذا عمل بأحدهما صح ذلك بالاجماع فلا يكون له أن ينقض ما نفذ من القضاء منه بالاجماع ، ولا يصير إلى العمل بالآخر إلا بدليل هو أقوى من الأول . فإن قيل : لو ثبت الخيار له في العمل بالقياسين لكان يبقى خياره بعدما عمل بأحدهما في حادثة حتى يكون له أن يعمل بالآخر في حادثة أخرى كما في كفارة اليمين ، فإنه لو عين أحد الأنواع في تكفير يمين به يبقى خياره في تعيين نوع آخر في كفارة يمين أخرى . قلنا : هناك التخيير ثبت على أن كل واحد من الأنواع صالح للتكفير به بدليل موجب للعلم ، وهنا الخيار ما ثبت بمثل هذا الدليل بل باعتبار أن كل واحد منهما صالح للعمل به ظاهرا ، مع علمنا بأن الحق أحدهما والآخر خطأ ، فبعد ما تأيد أحدهما بنفوذ القضاء به لا يكون له أن يصير إلى الآخر إلا بدليل هو أقوى من الأول ، وهذا لان جهة الصواب تترجح بعمله فيما عمل به ، ومن ضرورته ترجح جانب الخطأ في الآخر ظاهرا ، فما لم يرتفع ذلك بدليل سوى ما كان موجودا عند العمل بأحدهما لا يكون له أن يصير إلى العمل بالآخر . والحاصل : أن فيما ليس فيه احتمال الانتقال من محل إلى محل إذا تعين المحل بعمله لا يبقى له خيار بعد ذلك كالنجاسة في الثوب ، فإنها لا تحتمل الانتقال من ثوب إلى ثوب ، فإذا تعين بصلاته في أحد الثوبين صفة الطهارة فيه والنجاسة في الآخر لا يبقى له رأي في الصلاة في الثوب الآخر ما لم يثبت طهارته بدليل موجب للعلم . وفي باب القبلة فرض التوجه يحتمل الانتقال ، ألا ترى أنه انتقل من بيت المقدس إلى الكعبة ، ومن عين الكعبة إلى الجهة إذا بعد من مكة ، ومن جهة الكعبة إلى سائر الجهات إذا كان راكبا فإنه يصلي حيثما توجهت به راحلته ، فبعد ما صلى بالتحري إلى جهة إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضا ، لان الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة ، وإنما يتحقق هذا إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليها تحريه . وكذلك حكم العمل بالقياس في المجتهدات فإن القضاء الذي نفذ بالقياس في محل لا يحتمل الانتقال إلى محل آخر فيلزم ذلك . فأما